محمد أبو زهرة

1471

زهرة التفاسير

وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في هذه الجملة السامية ترشيح وتقوية لمعنى النهى السابق ، وتأكيد لضلال الكفار ومن يحاكونهم في انشغال أنفسهم بمن ماتوا ، وظنهم أن الخروج هو الذي كان سببا في قتل من قتلوا ، كما قال الكافرون : لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ، ففي هذه الجملة يبين سبحانه أن الأرواح كلها بيد اللّه تعالى يقبضها إن شاء ، ويرسلها إ أراد ، فهو سبحانه لا يتقيد بخروج للقتال ، فالقعود لا يضمن الحياة ، والخروج لا يكون معه التلف ، بل ربما كانت فيه النجاة ، وهذا مثل قوله تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . . . ( 78 ) [ النساء ] وإنه إذا كانت الحياة والموت بيد اللّه وحده قد جعل لكل أجل كتابا ومن جاء أجله لا يستأخر ساعة ولا يستقدم ، وأن اللّه سبحانه وتعالى خالق الأسباب ومسبباتها ، وهو الذي يربط بينهما برباط السببية لحكمة يراها ، والأسباب لا تلزمه سبحانه ، لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون ، واللّه سبحانه في أفعاله كلها بالإحياء والإماتة يتصرف تصرف العليم الخبير ، ولذا قال سبحانه : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي أن اللّه تعالى عليم علم من يرى ويبصر بأعمالكم التي تعملونها ، يعلم البواعث والنتائج ويعلم الحقائق والوقائع ، فلا تذهب أنفسكم حسرات على الماضي ، واستعدوا ، وقد بين سبحانه أن اللّه غافر ما كان منكم من خطأ في ماضيكم ، ومجازيكم بخير مما ينال هؤلاء ، ولذا قال تعالى : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . اشتمل الكلام على قسم وجملة شرطية واقعة ، فاللّه سبحانه وتعالى يقسم وهو العزيز الحكيم بأن من يموت أو يقتل في سبيل اللّه طالبا رضاه محتسبا النية في جهاده يناله جزاءان عظيمان : أحدهما - أن يغفر اللّه تعالى ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وتلك نعمة عظيمة ، لا يشعر بها إلا من يشعر بتقصيره ويحاول رضا مولاه ، ويغلب الخوف على الرجاء ، ويستصغر حسناته بجوار ما يرتكب من هفوات ، وتلك مرتبة الصديقين والشهداء والصالحين ، وذلك ما يتضمنه الوعد